ابن عربي

57

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

يا حارس اضربا عنقه ، أراد اضرب اضرب مرتين للتوكيد فثناه ، وقوله : فإنني زمن في إثرها غادي نسب الزمانة له لوقوفه مع هذا البدن وارتباطه به إلى الأجل المسمى . وقوله : في أثرها يريد في أثر الهمم ، وغادي : يقول رائح عند حلول الأجل المسمى بمفارقة هذا البدن الذي أورثني الزمانة وأكّد هذا المعنى . قف بالمطايا وشمّر من أزمّتها * باللّه بالوجد والتبريح يا حادي كنّى عن الهمم بالمطايا ، وشمر من أزمتها يقول : أمسكها عن التقوّد إلى مطلوبها حتى أكون فيها على قدم محقق ، ثم أقسم على الحادي الذي هو الداعي إلى الحق باللّه إشارة إلى المرتبة ، فأقسم بها لأنّ الداعي خديمها فيقف عند هذا القسم ، ولم يخص له اسما لئلا يكون وقوفه بحسب ما يعطيه ذلك الاسم أو انتهاء منه من غير وقوف والذي أقسم به أمر جامع فلا يقدر هذا الداعي أن يحكم على الاسم الجامع بأمر معين فلا بد له من الوقوف إبرارا للقسم لا للمقسم ، ثم أقسم عليه بالوجد ليحصل في نفسه شفقة عليه فيكون وقوفه بضرب من الرحمة والشفقة ، وقوله : والتبريح أقسم أيضا بما ظهر لك من حالي وتحققته ، ثم ذكر أيضا المانع من رحلته حيث تروح هممه . نفسي تريد ولكن لا تساعدني * رجلي ، فمن لي بإشفاق وإسعاد شبه نفسه في تقييده بهذا البدن ومنع هذا التقييد له من معارجه حيث يريد الحركة ، فالإرادة « 1 » منه موجودة والآلة التي يبلغ بها المطلوب غير مساعدة ، ثم قال : فمن لي بإشفاق يريد بصاحب الإشفاق مساعد لي على ما أريده من مفارقة هذا العالم الخسيس محل الحجاب والظلمة وطمس الأنوار والغمة والذي أشار إليه المشفق المساعد هو القدر يقول : من لي بمساعدة القدر شفقة منه عليّ لما أنا فيه من الغم والكرب وحكم الكيف والكم ، ثم أخذ يعزي نفسه ويقول : ما يفعل الصّنع النّحرير في شغل * آلاته أذنت فيه بإفساد « 2 » كنّى بالصّنع عن نفسه ، والصّنع : هو الحاذق بالعمل الماهر ، يقول : ما أفعل وإن كنت قادرا على المفارقة في أوقات ما يشير إلى زمن الفناء والغيبة في أوقات الأحوال والواردات الإلهية ، ولكن ما هو مطلبي إلا الرحلة الكلية ، فإنّ الجذب الذي يجذبني من عالم الحس في وقت الفناء قوي وهو الذي عبر عنه بالآلة ، يقول : فذلك الجذب يفسد عليّ شغلي أي ينكر عليّ حال مناي وغيبتي يجذبه لردي إليه في تدبيره لئلا ينخرم ، وذلك لعلمه بما بقي عندي في خزانتي من مصالحه وتدبيره الذي أودعنيه الحكيم سبحانه ، ثم قال يخاطب الحادي بقوله :

--> ( 1 ) الإرادة : هي التجرد للّه في السلوك إلى كمال التوحيد ، وهي ممدوحة ومطلوبة ، أي لا اختيار له في نفسه ، ولا تمييز لمراده ، وإنما تجرد لمراد الحق تعالى . ( 2 ) النحرير : العالم الحاذق في علمه ( ج ) نحارير .